الحارثي
21 - 03 - 2008, 02:18
ربط الشعرية بالخرافة في التراث العربي:
كان الإنسان العربي يعتقد بأنّ هناك شيئًا غير قابل للتفسير في العمل الخلاق، ومن ثم نظر النقاد العرب إلى العناصر الفنية التي يتكون منها الانسجام، وجمالية النص الشعري على أنها عسيرة المنال، لأنها من فعل يفوق الطاقة البشرية. وبهذا الصنيع تكون العرب قد ردّت أدبية النص أو شعريته إلى قوى خارقة، الأمر الذي دفع النقاد إلى تفسيرها عن طريق الخرافة، أي ردّ هذا "الاعتبار الخرافي إلى دائرة غير بشرية تمثّلث في القول بشياطين الشعر"(8)، وذلك حين ربطوا بين الشعراء والشياطين "فهم يزعمون أنّ مع كل فحل من الشعراء شيطانًا يقول ذلك الفحل على لسانه الشعر"(9).
وعليه، فقد كانت عند العرب الأقدمين عقيدة شبه راسخة، وهي أنّ لكل شاعر رئيًا من الجانّ يحبّه، ويتبعه، ويوحي إليه زخرف القول. وإذا كان اليونانيون يذكرون في أساطيرهم، أنّ هناك قوة إلهية تلهم المبدعين الشعر وسائر الفنون، فإنّ العرب، قبل الإسلام وبعده، كانوا يعتقدون بأنّ كل شاعر متّصل بشيطان خاصّ به يلهمه قول الشعر.
وانطلاقًا من هذا المعتقد، تحدّث أبو زيد القرشي بشيء من التفصيل عن شياطين الشعراء وأخبارهم، حيث خصّص قسمًا من كتابه أورد فيه ضروبًا من الأساطير والخرافات، زاعمًا أنّ لشعراء العرب شياطين تنطق بالشعر على ألسنتها.
فهذا لافظ بن لاحظ يمنح امرأ القيس ما يعجب الناس، ويُعلي كعبه بينهم، ومسحل صاحب الأعشى ينطق بلسانه، وهاذر صاحب النابغة، وهو أشعر الجنّ وأضنّهم بشعره، ومدرك بن واغم يستنبغ صاحبه الكميت، وغيرهم كثير(10). وبهذا الصنيع يكون أبو زيد القرشي قد أورد حكايات موغلة في الأسطورية، وذكر أسماء شياطين لم يذكرها مَن كان قبله، ولم تجئ في مصادر أخرى.
ويورد ابن شهيد أسماء شياطين لشعراء مشهورين، في تلك الرحلة الخيالية التي قام بها إلى وادي الأرواح، حيث زار صاحب امرئ القيس عتيبة بن نوفل، وصاحب طرفة عنترة بن العجلان، وصاحب قيس بن الخطيم أبا الخطار من شعراء الجاهلية؛ ثم يصير إلى توابع العباسيين مبتدئًا بتابع أبي تمّام عتاب بن حبناء، ومنتهيًا بصاحب أبي الطيب المتنبي حارثة بن المغلّس، وفي زيارته هذه إلى أرض التوابع والزوابع، ساجل الشعراء وذاكرهم، وأخذ الإجازة منهم، وقد أضاف ابن شهيد إلى "الفكرة العامة إضافات قليلة منها أنه مدّ الفكرة بحيث تشمل الناثرين مثل عبد الحميد بن يحيى، والجاحظ، وبديع الزمان، وكان له في ذلك غرضان، فهو ناثر أيضًا، ولذلك أراد أن يحرز شهادات الناثرين الكبار، كما أراد أن يُدخل فيهم بعض كتّاب الأندلس"(11).
ولم يكتف ابن شهيد بأنّ لكل شاعر تابعًا يقول على لسانه الشعر، بل جعل من هؤلاء الشياطين نقّادًا للشعر أيضًا، فيحضر مجلس أدب من مجالس الجن، فيدور الكلام على ما تعاورته الشعراء من المعاني، ومن زاد فأحسن، ومن قصّر، إلى غيره من الأحكام النقدية التي أصدرتها الشياطين على شعر الشعراء في مختلف العصور(12).
وما يمكن ملاحظته، من خلال هذه النصوص والشواهد التي سقناها، أنّ النقّاد القدامى كانوا ينظرون إلى الإبداع الشعري على أنه مدرك ميتافيزيقي، متربّع على عرشه الغيبي، في عالمه الفردوسي. وهذا مفاده أنّ الفن في مرحلة الطفولة كان موهبةً وليس كسبًا، وذلك حين كان الإنسان العربي يحاول الاقتراب من الكامل، ويسعى إلى تحقيق الوحدة الجمالية بالانسجام، عن طريق الاتزان، والتماثل، والإيقاع. ويبدو أننا "لا نملك شهادات قديمة تتصل بهذا المعتقد، ولكن شمول رعاية الشياطين (من الجنّ) للكهّان والعرّافين ومن ذهب مذهبهم قد يشير إلى قدم اتصالها بالشعر والشعراء، وذلك أنّ الأخبار التي بقيت عن الكهان تتحدّث عن القدرة على التنبؤ بقوة الإلهام بمصاحبة الرئي"(13).
وإذا كان الفلاسفة القدامى يرون بأنّ الفن الشعري نوع من الإلهام، وأنّ الشاعر لا ينطق شعره عن فن، ولكن عن إلهام، ووحي إلهي، فإنّ القول الشعري، في العصر الجاهلي، كان يرتبط بالجنّ، وهذه النظرة مفادها أنّ الشاعر يقول الشعر بغير إرادته، أو شعور منه.
لم يتوقف الأمر عند حدّ أن الجنّ هي التي تلهم الشعراء الشعر؛ بل ساد الاعتقاد عند الإنسان العربي بأنّ الشياطين تقول الشعر وترويه؛ كما جاء في حديث أبي لابن المرْوَزي الذي يورد فيه قصة عجيبة، يروي فيها أشعارًا لأحد الجن، كما يبدو ذلك من الحوار الذي دار بينهما، عندما سأل الجنّي دهشا: "أتروي من أشعار العرب شيئا؟ فقال: نعم! أروي وأقول قولاً فائقًا مبرّزًا. فقلت فأرني من قولك ما أحببت، فأنشأ يقول:
طاف الخيال علينا ليلة الوادي
من آل سلمى ولم يُلْمِم بميعاد
فلمّا فرغ من إنشاده، قلت:
لهذا الشعر أشهر في معدّ بن عدنان
من ولد الفرس الأبلق في الدُّهم العراب
هذا لعبيد بن الأبرص الأسدي، فقال:
ومن عبيد لولا هبيد! فقلت ومَن هبيد؟ فأنشأ يقول:
أنا ابن الصلادم أدعى الهبيد
حَوَيتُ القوافيَ قَرْمَيْ أسد(14)
ويروي أبو زيد القرشي، أيضًا، قصة مفادها أنّ قومًا كانوا مسافرين للتجارة، فبينما هم يسيرون إذا بثعبان قد احترق جنباه من شدة الحر، فأشفق عليه أحد المسافرين، فصبّ عليه ماء، فانساب الثعبان ودخل في جحره، وسار الركب فقضوا حوائجهم، ثم أقبلوا حتى صاروا إلى ذلك الموضع الذي فيه الثعبان فتأخر الذي أحسن إليه لقضاء حاجته، فانفلت منه جمله، وبقي متحيرًا، فإذا بهاتف من عدوة الوادي وهو يقول:
يا صاحب البكر المضل مركبه دونك هذا البكرَ منا فاركبه
قال الراوي فالتفت ذلك الشخص، فإذا هو بجمله، وجمل آخر إلى جنبه، فركبه، حتى إذا وصل إلى دار قومه أرسل الجمل، وأنشأ يقول:
يا صاحب البكر قد أُنقذتَ من بلد
هـلاّ أبنت لنـا الحـق نعرفـه يحار في حافيتهـا المدلج الهادي
من ذا الذي جاد بالمعروف في الوادي
فأجابه هاتف يقول:
أنا الشجاع الذي ألفيته رمضا
فجـدت بالمـاء لما ضَنّ حامله في رملة ذات دَكْـداك وأعقاد
جودًا عليّ ولم تبخل بإنجاد(15)
ويذكر، أيضًا، أنّ رجلاً فرّ من ملك كان في الجاهلية الجهلاء، فأوى إلى كهف في جبل، فغفا، فإذا هو بآتٍ قد أتاه وجلس عند رأسه، وأنشأ يقول:
الدهـر يأتيك بالعجائـب إ
بينا ترى الشمـل فيه مجتمعا
لا تنفـع المـرء فيـه حيلتـه نّ الدهـر فيه لديك معتبـرُ
فرقـه من صروفـه القـدَرُ
مما سيلقى يومًا، ولا الحذرُ(16)
فهكذا يروي أبو زيد القرشي أشعارًا للملائكة، وأخرى للجن وإبليس، بل ويذهب إلى أبعد من ذلك، حيث يزعم أنّ هذه المخلوقات هي أول من قال الشعر، وقصّد القصائد(17).
ونحن حين نمعن النظر في هذا المعتقد الذي نادى به هؤلاء النقاد، نجد أنّ الشعر إلهام من وحي السماء لا صناعة من عمل الأرض. ولكن ما نعتقد صوابه أنّ الشعر وليد الموهبة الفطرية والصنعة، لكونه مرتبطًا بالطبع والدربة، وذلك منذ نشأته الأولى.
إيمان الشاعر بهذا المعتقد:
ومما يزيد هذه المسألة طرافة وغرابة اعتقاد الشاعر نفسه بأنّ له صاحبًا غير إنسيّ، كما يبدو من قول حسّان بن ثابت:
ولي صاحب من بني الشيصبان فطورًا أقول وطورًا هوه(18)
فالشاعر والشيطان يتناوبان القول الشعري، إذ يؤكد ذلك الأعشى ميمون ابن قيس حين يذكر صاحبه الجنّي مسحلاً:
وما كنت ذا خوف ولكن حسبتني
شـريكان في ما بيننا من هوادة
يقـول فلا أعيـا بقـول يقولـه إذا مسحل يسدي لي القول أنطق
صفيـان إنسي وجـنّ موفّق
كفاني لا عيّ ولا هو أخرق(19)
ويقول الأعشى مرة أخرى:
دعوت خليلي مسحلا ودعوا له
حبـاني أخي الجني نفسي فداؤه جُهُنَّـام جَدْعًا للهجين المذمّم
بأفيح جيّاش العشيّات مِرْجم(20)
وهكذا ساد الاعتقاد عند الإنسان العربي، في الجاهلية، بأنّ الموهبة الشعرية مرتبطة بالجن والشياطين، ومن ثم ربط جمالية النص الشعري بقوى غيبية، حاول من خلالها تفسير القدرة الإبداعية.
وقد حافظ هذا المعتقد على وجوده بعد مجيء الإسلام؛ بل امتد إلى عصور متأخرة، حيث نجد الفرزدق يقول مفتخرًا بشعره بأنه أشعر أهل الأرض:
ليبلغـن أبا الأشبـال مدحتنـا
كأنهـا الذهب العقيـان خبّرها من كان بالغور أو مروى خراسان
لسان أشعر خلق الله شيطانا(21)
وقال أيضًا:
فلو كنت عندي يوم قوٍّ عذرتني بيـوم دهتني جنّه وأخابلُه(22)
ويذهب الفرزدق إلى أبعد من ذلك، حين يتصور أنّ إبليس رئيس الشياطين وابنه هما مصدر إلهامه، إذ ينفثان الشعر في فمه، كما يظهر من قوله:
وإنّ ابن إبليس وإبليـس ألبنا
هما نفثـا في فيّ من فمويهمـا لهم بعـذاب الناس كل غـلام
على النابح العاوي أشد رجام(23)
وينافس جرير الفرزدق في اعتقاده، بزعمه أنّ الذي يلهمه الشعر هو أبو الأبالسة، فيقول:
إني ليلقي عليّ الشعر مكتهل من الشياطين إبليس الأباليس(24)
وكان الفرزدق يعتقد أنّ شيطان جرير هو شيطانه، إلا أنه من فمه يكون أخبث. ويذهب شاعر يسميه الجاحظ أعشى سُلَيم إلى غير ذلك؛ إذ يشير إلى أنّ شيطان المخبل كان أقوى من شيطان الفرزدق، بل كان من أقوى الشياطين إطلاقًا:
وما كان جني الفـرزدق قدوة
وما في القوافي مثل عمرو وشيخه وما كان فيهم مثل فحل المخبل
ولا بعد عمرو شاعر مثل مسحل(25)
وأنّ مع كل شاعر شيطانًا يقول معه، قول أبي النجم العجلي الراجز، في قصة بينه وبين العجاج:
إني وكل شاعـر من البشـر شيطانه أنثى وشيطاني ذكر(26)
وهنا نلاحظ أنه ذهب إلى تذكير شيطانه، وتأنيث شيطان غيره، افتخارًا بقوّته وفوزه على خصمه، وهذا الزعم نجده في قول شاعر آخر:
إني وإن كنت صغير السن وكان في العين نُبُوّ عَنِي
فإنّ شيطاني كبير الجن(27)
وعلى الرغم من أنّ الشعراء كانوا يدّعون أنّ لكل شاعر شيطانًا يرفده، إلا أنّ بشّار بن بُرد كان يعتقد أنه ليس بحاجة إلى شيطان ملهم يعينه على قول الشعر، لأنه كان يظن أنه باستقلاله وتفرُّده يكون أقوى، وذلك حين يقول:
دعاني شنقناق إلى خلف بكرة فقلت: اتركنّي فالتفرّد أحمد(28)
وفي مصداق ما ذكرناه من أشعار الجن، وقولهم الشعر على ألسن العرب، ذلك الخبر الذي مفاده "أنّ رجلاً أتى الفرزدق، فقال: إني قلتُ شعرًا فانظره، قال: أنشد، فقال:
ومنهم عمرو المحمود نائله كأنما رأسه طين الخواتيم
قال: فضحك الفرزدق، ثم قال: يا ابن أخي: إنّ للشعر شيطانين يدعى أحدهما الهوبر والآخر الهوجل، فمن انفرد به الهوبر جاد شعره وصحّ كلامه، ومن انفرد به الهوجل فسد شعره، وإنهما قد اجتمعا لك في هذا البيت، فكان معك الهوبر في أوله فأجدت، وخالطك الهوجل في آخره فأفسدت..."(29).
وفي هذا الصدد، يتحدث الشاعر الأندلسي ابن شهيد في مدخل رسالته إلى أبي بكر بن حزم عن حبيب له مات، فأراد رثاءه فأرتج عليه، وإذا بجنِّيٍّ اسمه زهير بن نمير يتصوّر له، ويلقي إليه تتمّة الشعر، رغبة في اصطفائه، فأصبح كلما أرتج عليه، أو انقطع به مسلك، أو خانه أسلوب، يدعو تابعه بأبيات تعلّمها عنه، فيمثل له، ويوحي إليه، فيسير إلى ما يرغب، ويدرك بقريحته ما يطلب(30).
دواعي اختيار شياطين للإلهام
ربما قد يتساءل المرء عن سبب اختيار العرب شياطين للإلهام الشعري، بينما اختار الخيال اليوناني ربات الجمال التسع رمزًا لإلهام الشاعر؟ قبل الإجابة عن هذا التساؤل، تجدر الإشارة إلى أنّ أكبر الآلهة عند العرب في الجاهلية الجهلاء كانوا إناثًا مثل اللات والعزى ومناة، كما ينبغي التذكير في هذا الصدد بأنّ الإنسان العربي قد عرف الكاهنات، وعدة ملكات في بعض العصور الموغلة في القِدم.
وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ العزوف عن الربات واختيار الشياطين لا يعود فقط إلى الفَرْق بين الذكر والأنثى، ولا إلى الفَرْق بين الطبيعة الصحراوية عند العرب والطبيعة الخصبة عند اليونان، كما يتوّهم بعض الدارسين؛ ولكن يظهر "أنّ لذلك أسبابًا أخرى تتعلق بمفهوم الشعر نفسه فالشعر عند العرب ذو مفهوم دفاعي أو هجومي بالدرجة الأولى؛ إذ هو دفاع عن القبيلة أو هجوم على أعدائها. وهب أنّ الهجاء لم يكن الفن الشعري الأول الذي ظهر بين الفنون، فإنّ الحماسة نفسها وهي موضوع يتحدث عن الحرب والبطولة والثبات والفرار والأسر والقتل والسلاح... إلخ وثيق الصلة بتصور شياطين ملهمة، وهذه الحماسة تتطلب رجالاً أشداء لا عذارى خفرات، وهذا هو الذي منح فنون الحماسة أن تبرز وتتصدر سائر الموضوعات، وهو نفسه الذي ألهم أبا تمام من بعد أن يبدأ به مختاراته التي سماها الحماسة. فالشياطين إذن أقدر على رعاية فنون الحماسة من العذارى. وحين اتسع نطاق الشعر ليشمل فنونًا أخرى كانت فكرة الشياطين قد استوت ورسخت في المجتمع العربي وظلت حاضرة في الأذهان وتتردد على الألسنة حتى تاريخ موغل في عصر المحدثين"(31).
ويبدو أنّ فكرة إلهام الشعر من قِبَل الشياطين قد انحسرت في بداية القرن الرابع هجري، ولم تعد معتقدًا؛ وهذا بخلاف ما يذهب إليه توفيق الزيدي الذي سمح لنفسه بالقول "بأنّ المرحلة الخرافية في تناول مفهوم الأدبية كانت نهايتها ظهور الإسلام"(32).
إنّ النصوص التي سبق ذكرها حول مشاركة شعراء إسلاميين في الاعتقاد بشياطين الشعراء، تدل على أنّ "الإسلام لم يجتثّ هذه الفكرة ولم يضعفها في البداية، ذلك أنّ الإسلام أقرّ للشعراء بعالم مستقل وميّزهم بالانحياز إلى الخيال دون أن يسمِّي ذلك خيالاً، وهذا هو معنى "فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ"، وبسبب هذا الهيام نفسه تجدهم يقولون أشياء لا يستطيعون تحقيقها. ولكن القرآن أحدث شيئين بالنسبة لنظرية الإلهام؛ أولهما أنه جعل الإلهام الحق منوطًا بمصدر إلهي، وهو إلهام النبوة وإلهام الصالحين من الشعراء الذين يؤيدهم "روح القدس" أي أنه أكد بطريقة غير مباشرة انتماء إلهام الشعراء (غير الصالحين) إلى عالم الشياطين، والثاني أنه جعل لكل إنسان شيطانًا يوحي إليه بالباطل والشر ﭽ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﭼ فنـزع عن الشعراء ما كانوا يظنون أنفسهم متميزين فيه حين قرن بكل إنسان شيطانه الخاص به"(33).
(للبحث صلة)
الهوامش:
* الجزائر.
(1) بنيلوبي مرّي، العبقرية تاريخ الفكرة، ترجمة: محمد عبد الواحد محمد، عالم المعرفة، الكويت، 1996م، ص17.
(2) المرجع نفسه ص14. (3) المرجع نفسه، ص17.
(4) جميل صليبا: المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني، 1979م، ص53.
(5) بنيلوبي: العبقرية، ص26. (6) المرجع نفسه، ص17. (7) المرجع نفسه، ص27.
(8) توفيق الزيدى: مفهوم الأدبية في التراث النقدي، سراس للنشر، تونس، 2002م، ص85.
(9) الجاحظ: الحيوان، تح. عبد السلام هارون، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط3، 1969م، ج6، ص225- 226.
(10) ينظر: أبو زيد القرشي، جمهرة أشعار العرب، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط2، ص 58 وما بعدها
(11) إحسان عباس: تاريخ النقد الأدبي عند العرب، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمّان، ط2، 1993م، ص21.
(12) ينظر: رسالة التوابع والزوابع، دار صادر، بيروت، 1980م، ص132.
(13) إ. عباس، تاريخ، ص17. (14) القرشي، جمهرة، ص 57-58.
(15) المرجع نفسه، ص68-69. (16) المرجع نفسه، ص69.
(17) المرجع نفسه، ص 39 وما بعدها. (18) الجاحظ: الحيوان، 6/226.
(19) القرشي: جمهرة، ص62. (20) الجاحظ،: الحيوان، ج6، ص226.
(21) المرجع نفسه، ص227. (22) المرجع نفسه، ص227.
(23) ديوان الفرزدق، دار بيروت للطباعة والنشر، ص215.
(24) ديوان جرير، دار بيروت للطباعة والنشر، 1978م، ص250. (25) الحيوان: 6/227.
(26) الأصبهاني: الأغاني، تحقيق لجنة من الأدباء، دار الثقافة، بيروت، ط6، 1983م، 10/160.
(27) الجاحظ: الحيوان، 6/229. (28) المرجع نفسه، ص228.
(29) القرشي: جمهرة، ص72-73. (30) ينظر: رسالة التوابع والزوابع، ص87/90.
(31) إ. عباس: تاريخ النقد، ص22.
(32) مفهوم الأدبية في التراث النقدي، ص60. (33) إ. عباس، تاريخ النقد، ص23.
كان الإنسان العربي يعتقد بأنّ هناك شيئًا غير قابل للتفسير في العمل الخلاق، ومن ثم نظر النقاد العرب إلى العناصر الفنية التي يتكون منها الانسجام، وجمالية النص الشعري على أنها عسيرة المنال، لأنها من فعل يفوق الطاقة البشرية. وبهذا الصنيع تكون العرب قد ردّت أدبية النص أو شعريته إلى قوى خارقة، الأمر الذي دفع النقاد إلى تفسيرها عن طريق الخرافة، أي ردّ هذا "الاعتبار الخرافي إلى دائرة غير بشرية تمثّلث في القول بشياطين الشعر"(8)، وذلك حين ربطوا بين الشعراء والشياطين "فهم يزعمون أنّ مع كل فحل من الشعراء شيطانًا يقول ذلك الفحل على لسانه الشعر"(9).
وعليه، فقد كانت عند العرب الأقدمين عقيدة شبه راسخة، وهي أنّ لكل شاعر رئيًا من الجانّ يحبّه، ويتبعه، ويوحي إليه زخرف القول. وإذا كان اليونانيون يذكرون في أساطيرهم، أنّ هناك قوة إلهية تلهم المبدعين الشعر وسائر الفنون، فإنّ العرب، قبل الإسلام وبعده، كانوا يعتقدون بأنّ كل شاعر متّصل بشيطان خاصّ به يلهمه قول الشعر.
وانطلاقًا من هذا المعتقد، تحدّث أبو زيد القرشي بشيء من التفصيل عن شياطين الشعراء وأخبارهم، حيث خصّص قسمًا من كتابه أورد فيه ضروبًا من الأساطير والخرافات، زاعمًا أنّ لشعراء العرب شياطين تنطق بالشعر على ألسنتها.
فهذا لافظ بن لاحظ يمنح امرأ القيس ما يعجب الناس، ويُعلي كعبه بينهم، ومسحل صاحب الأعشى ينطق بلسانه، وهاذر صاحب النابغة، وهو أشعر الجنّ وأضنّهم بشعره، ومدرك بن واغم يستنبغ صاحبه الكميت، وغيرهم كثير(10). وبهذا الصنيع يكون أبو زيد القرشي قد أورد حكايات موغلة في الأسطورية، وذكر أسماء شياطين لم يذكرها مَن كان قبله، ولم تجئ في مصادر أخرى.
ويورد ابن شهيد أسماء شياطين لشعراء مشهورين، في تلك الرحلة الخيالية التي قام بها إلى وادي الأرواح، حيث زار صاحب امرئ القيس عتيبة بن نوفل، وصاحب طرفة عنترة بن العجلان، وصاحب قيس بن الخطيم أبا الخطار من شعراء الجاهلية؛ ثم يصير إلى توابع العباسيين مبتدئًا بتابع أبي تمّام عتاب بن حبناء، ومنتهيًا بصاحب أبي الطيب المتنبي حارثة بن المغلّس، وفي زيارته هذه إلى أرض التوابع والزوابع، ساجل الشعراء وذاكرهم، وأخذ الإجازة منهم، وقد أضاف ابن شهيد إلى "الفكرة العامة إضافات قليلة منها أنه مدّ الفكرة بحيث تشمل الناثرين مثل عبد الحميد بن يحيى، والجاحظ، وبديع الزمان، وكان له في ذلك غرضان، فهو ناثر أيضًا، ولذلك أراد أن يحرز شهادات الناثرين الكبار، كما أراد أن يُدخل فيهم بعض كتّاب الأندلس"(11).
ولم يكتف ابن شهيد بأنّ لكل شاعر تابعًا يقول على لسانه الشعر، بل جعل من هؤلاء الشياطين نقّادًا للشعر أيضًا، فيحضر مجلس أدب من مجالس الجن، فيدور الكلام على ما تعاورته الشعراء من المعاني، ومن زاد فأحسن، ومن قصّر، إلى غيره من الأحكام النقدية التي أصدرتها الشياطين على شعر الشعراء في مختلف العصور(12).
وما يمكن ملاحظته، من خلال هذه النصوص والشواهد التي سقناها، أنّ النقّاد القدامى كانوا ينظرون إلى الإبداع الشعري على أنه مدرك ميتافيزيقي، متربّع على عرشه الغيبي، في عالمه الفردوسي. وهذا مفاده أنّ الفن في مرحلة الطفولة كان موهبةً وليس كسبًا، وذلك حين كان الإنسان العربي يحاول الاقتراب من الكامل، ويسعى إلى تحقيق الوحدة الجمالية بالانسجام، عن طريق الاتزان، والتماثل، والإيقاع. ويبدو أننا "لا نملك شهادات قديمة تتصل بهذا المعتقد، ولكن شمول رعاية الشياطين (من الجنّ) للكهّان والعرّافين ومن ذهب مذهبهم قد يشير إلى قدم اتصالها بالشعر والشعراء، وذلك أنّ الأخبار التي بقيت عن الكهان تتحدّث عن القدرة على التنبؤ بقوة الإلهام بمصاحبة الرئي"(13).
وإذا كان الفلاسفة القدامى يرون بأنّ الفن الشعري نوع من الإلهام، وأنّ الشاعر لا ينطق شعره عن فن، ولكن عن إلهام، ووحي إلهي، فإنّ القول الشعري، في العصر الجاهلي، كان يرتبط بالجنّ، وهذه النظرة مفادها أنّ الشاعر يقول الشعر بغير إرادته، أو شعور منه.
لم يتوقف الأمر عند حدّ أن الجنّ هي التي تلهم الشعراء الشعر؛ بل ساد الاعتقاد عند الإنسان العربي بأنّ الشياطين تقول الشعر وترويه؛ كما جاء في حديث أبي لابن المرْوَزي الذي يورد فيه قصة عجيبة، يروي فيها أشعارًا لأحد الجن، كما يبدو ذلك من الحوار الذي دار بينهما، عندما سأل الجنّي دهشا: "أتروي من أشعار العرب شيئا؟ فقال: نعم! أروي وأقول قولاً فائقًا مبرّزًا. فقلت فأرني من قولك ما أحببت، فأنشأ يقول:
طاف الخيال علينا ليلة الوادي
من آل سلمى ولم يُلْمِم بميعاد
فلمّا فرغ من إنشاده، قلت:
لهذا الشعر أشهر في معدّ بن عدنان
من ولد الفرس الأبلق في الدُّهم العراب
هذا لعبيد بن الأبرص الأسدي، فقال:
ومن عبيد لولا هبيد! فقلت ومَن هبيد؟ فأنشأ يقول:
أنا ابن الصلادم أدعى الهبيد
حَوَيتُ القوافيَ قَرْمَيْ أسد(14)
ويروي أبو زيد القرشي، أيضًا، قصة مفادها أنّ قومًا كانوا مسافرين للتجارة، فبينما هم يسيرون إذا بثعبان قد احترق جنباه من شدة الحر، فأشفق عليه أحد المسافرين، فصبّ عليه ماء، فانساب الثعبان ودخل في جحره، وسار الركب فقضوا حوائجهم، ثم أقبلوا حتى صاروا إلى ذلك الموضع الذي فيه الثعبان فتأخر الذي أحسن إليه لقضاء حاجته، فانفلت منه جمله، وبقي متحيرًا، فإذا بهاتف من عدوة الوادي وهو يقول:
يا صاحب البكر المضل مركبه دونك هذا البكرَ منا فاركبه
قال الراوي فالتفت ذلك الشخص، فإذا هو بجمله، وجمل آخر إلى جنبه، فركبه، حتى إذا وصل إلى دار قومه أرسل الجمل، وأنشأ يقول:
يا صاحب البكر قد أُنقذتَ من بلد
هـلاّ أبنت لنـا الحـق نعرفـه يحار في حافيتهـا المدلج الهادي
من ذا الذي جاد بالمعروف في الوادي
فأجابه هاتف يقول:
أنا الشجاع الذي ألفيته رمضا
فجـدت بالمـاء لما ضَنّ حامله في رملة ذات دَكْـداك وأعقاد
جودًا عليّ ولم تبخل بإنجاد(15)
ويذكر، أيضًا، أنّ رجلاً فرّ من ملك كان في الجاهلية الجهلاء، فأوى إلى كهف في جبل، فغفا، فإذا هو بآتٍ قد أتاه وجلس عند رأسه، وأنشأ يقول:
الدهـر يأتيك بالعجائـب إ
بينا ترى الشمـل فيه مجتمعا
لا تنفـع المـرء فيـه حيلتـه نّ الدهـر فيه لديك معتبـرُ
فرقـه من صروفـه القـدَرُ
مما سيلقى يومًا، ولا الحذرُ(16)
فهكذا يروي أبو زيد القرشي أشعارًا للملائكة، وأخرى للجن وإبليس، بل ويذهب إلى أبعد من ذلك، حيث يزعم أنّ هذه المخلوقات هي أول من قال الشعر، وقصّد القصائد(17).
ونحن حين نمعن النظر في هذا المعتقد الذي نادى به هؤلاء النقاد، نجد أنّ الشعر إلهام من وحي السماء لا صناعة من عمل الأرض. ولكن ما نعتقد صوابه أنّ الشعر وليد الموهبة الفطرية والصنعة، لكونه مرتبطًا بالطبع والدربة، وذلك منذ نشأته الأولى.
إيمان الشاعر بهذا المعتقد:
ومما يزيد هذه المسألة طرافة وغرابة اعتقاد الشاعر نفسه بأنّ له صاحبًا غير إنسيّ، كما يبدو من قول حسّان بن ثابت:
ولي صاحب من بني الشيصبان فطورًا أقول وطورًا هوه(18)
فالشاعر والشيطان يتناوبان القول الشعري، إذ يؤكد ذلك الأعشى ميمون ابن قيس حين يذكر صاحبه الجنّي مسحلاً:
وما كنت ذا خوف ولكن حسبتني
شـريكان في ما بيننا من هوادة
يقـول فلا أعيـا بقـول يقولـه إذا مسحل يسدي لي القول أنطق
صفيـان إنسي وجـنّ موفّق
كفاني لا عيّ ولا هو أخرق(19)
ويقول الأعشى مرة أخرى:
دعوت خليلي مسحلا ودعوا له
حبـاني أخي الجني نفسي فداؤه جُهُنَّـام جَدْعًا للهجين المذمّم
بأفيح جيّاش العشيّات مِرْجم(20)
وهكذا ساد الاعتقاد عند الإنسان العربي، في الجاهلية، بأنّ الموهبة الشعرية مرتبطة بالجن والشياطين، ومن ثم ربط جمالية النص الشعري بقوى غيبية، حاول من خلالها تفسير القدرة الإبداعية.
وقد حافظ هذا المعتقد على وجوده بعد مجيء الإسلام؛ بل امتد إلى عصور متأخرة، حيث نجد الفرزدق يقول مفتخرًا بشعره بأنه أشعر أهل الأرض:
ليبلغـن أبا الأشبـال مدحتنـا
كأنهـا الذهب العقيـان خبّرها من كان بالغور أو مروى خراسان
لسان أشعر خلق الله شيطانا(21)
وقال أيضًا:
فلو كنت عندي يوم قوٍّ عذرتني بيـوم دهتني جنّه وأخابلُه(22)
ويذهب الفرزدق إلى أبعد من ذلك، حين يتصور أنّ إبليس رئيس الشياطين وابنه هما مصدر إلهامه، إذ ينفثان الشعر في فمه، كما يظهر من قوله:
وإنّ ابن إبليس وإبليـس ألبنا
هما نفثـا في فيّ من فمويهمـا لهم بعـذاب الناس كل غـلام
على النابح العاوي أشد رجام(23)
وينافس جرير الفرزدق في اعتقاده، بزعمه أنّ الذي يلهمه الشعر هو أبو الأبالسة، فيقول:
إني ليلقي عليّ الشعر مكتهل من الشياطين إبليس الأباليس(24)
وكان الفرزدق يعتقد أنّ شيطان جرير هو شيطانه، إلا أنه من فمه يكون أخبث. ويذهب شاعر يسميه الجاحظ أعشى سُلَيم إلى غير ذلك؛ إذ يشير إلى أنّ شيطان المخبل كان أقوى من شيطان الفرزدق، بل كان من أقوى الشياطين إطلاقًا:
وما كان جني الفـرزدق قدوة
وما في القوافي مثل عمرو وشيخه وما كان فيهم مثل فحل المخبل
ولا بعد عمرو شاعر مثل مسحل(25)
وأنّ مع كل شاعر شيطانًا يقول معه، قول أبي النجم العجلي الراجز، في قصة بينه وبين العجاج:
إني وكل شاعـر من البشـر شيطانه أنثى وشيطاني ذكر(26)
وهنا نلاحظ أنه ذهب إلى تذكير شيطانه، وتأنيث شيطان غيره، افتخارًا بقوّته وفوزه على خصمه، وهذا الزعم نجده في قول شاعر آخر:
إني وإن كنت صغير السن وكان في العين نُبُوّ عَنِي
فإنّ شيطاني كبير الجن(27)
وعلى الرغم من أنّ الشعراء كانوا يدّعون أنّ لكل شاعر شيطانًا يرفده، إلا أنّ بشّار بن بُرد كان يعتقد أنه ليس بحاجة إلى شيطان ملهم يعينه على قول الشعر، لأنه كان يظن أنه باستقلاله وتفرُّده يكون أقوى، وذلك حين يقول:
دعاني شنقناق إلى خلف بكرة فقلت: اتركنّي فالتفرّد أحمد(28)
وفي مصداق ما ذكرناه من أشعار الجن، وقولهم الشعر على ألسن العرب، ذلك الخبر الذي مفاده "أنّ رجلاً أتى الفرزدق، فقال: إني قلتُ شعرًا فانظره، قال: أنشد، فقال:
ومنهم عمرو المحمود نائله كأنما رأسه طين الخواتيم
قال: فضحك الفرزدق، ثم قال: يا ابن أخي: إنّ للشعر شيطانين يدعى أحدهما الهوبر والآخر الهوجل، فمن انفرد به الهوبر جاد شعره وصحّ كلامه، ومن انفرد به الهوجل فسد شعره، وإنهما قد اجتمعا لك في هذا البيت، فكان معك الهوبر في أوله فأجدت، وخالطك الهوجل في آخره فأفسدت..."(29).
وفي هذا الصدد، يتحدث الشاعر الأندلسي ابن شهيد في مدخل رسالته إلى أبي بكر بن حزم عن حبيب له مات، فأراد رثاءه فأرتج عليه، وإذا بجنِّيٍّ اسمه زهير بن نمير يتصوّر له، ويلقي إليه تتمّة الشعر، رغبة في اصطفائه، فأصبح كلما أرتج عليه، أو انقطع به مسلك، أو خانه أسلوب، يدعو تابعه بأبيات تعلّمها عنه، فيمثل له، ويوحي إليه، فيسير إلى ما يرغب، ويدرك بقريحته ما يطلب(30).
دواعي اختيار شياطين للإلهام
ربما قد يتساءل المرء عن سبب اختيار العرب شياطين للإلهام الشعري، بينما اختار الخيال اليوناني ربات الجمال التسع رمزًا لإلهام الشاعر؟ قبل الإجابة عن هذا التساؤل، تجدر الإشارة إلى أنّ أكبر الآلهة عند العرب في الجاهلية الجهلاء كانوا إناثًا مثل اللات والعزى ومناة، كما ينبغي التذكير في هذا الصدد بأنّ الإنسان العربي قد عرف الكاهنات، وعدة ملكات في بعض العصور الموغلة في القِدم.
وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ العزوف عن الربات واختيار الشياطين لا يعود فقط إلى الفَرْق بين الذكر والأنثى، ولا إلى الفَرْق بين الطبيعة الصحراوية عند العرب والطبيعة الخصبة عند اليونان، كما يتوّهم بعض الدارسين؛ ولكن يظهر "أنّ لذلك أسبابًا أخرى تتعلق بمفهوم الشعر نفسه فالشعر عند العرب ذو مفهوم دفاعي أو هجومي بالدرجة الأولى؛ إذ هو دفاع عن القبيلة أو هجوم على أعدائها. وهب أنّ الهجاء لم يكن الفن الشعري الأول الذي ظهر بين الفنون، فإنّ الحماسة نفسها وهي موضوع يتحدث عن الحرب والبطولة والثبات والفرار والأسر والقتل والسلاح... إلخ وثيق الصلة بتصور شياطين ملهمة، وهذه الحماسة تتطلب رجالاً أشداء لا عذارى خفرات، وهذا هو الذي منح فنون الحماسة أن تبرز وتتصدر سائر الموضوعات، وهو نفسه الذي ألهم أبا تمام من بعد أن يبدأ به مختاراته التي سماها الحماسة. فالشياطين إذن أقدر على رعاية فنون الحماسة من العذارى. وحين اتسع نطاق الشعر ليشمل فنونًا أخرى كانت فكرة الشياطين قد استوت ورسخت في المجتمع العربي وظلت حاضرة في الأذهان وتتردد على الألسنة حتى تاريخ موغل في عصر المحدثين"(31).
ويبدو أنّ فكرة إلهام الشعر من قِبَل الشياطين قد انحسرت في بداية القرن الرابع هجري، ولم تعد معتقدًا؛ وهذا بخلاف ما يذهب إليه توفيق الزيدي الذي سمح لنفسه بالقول "بأنّ المرحلة الخرافية في تناول مفهوم الأدبية كانت نهايتها ظهور الإسلام"(32).
إنّ النصوص التي سبق ذكرها حول مشاركة شعراء إسلاميين في الاعتقاد بشياطين الشعراء، تدل على أنّ "الإسلام لم يجتثّ هذه الفكرة ولم يضعفها في البداية، ذلك أنّ الإسلام أقرّ للشعراء بعالم مستقل وميّزهم بالانحياز إلى الخيال دون أن يسمِّي ذلك خيالاً، وهذا هو معنى "فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ"، وبسبب هذا الهيام نفسه تجدهم يقولون أشياء لا يستطيعون تحقيقها. ولكن القرآن أحدث شيئين بالنسبة لنظرية الإلهام؛ أولهما أنه جعل الإلهام الحق منوطًا بمصدر إلهي، وهو إلهام النبوة وإلهام الصالحين من الشعراء الذين يؤيدهم "روح القدس" أي أنه أكد بطريقة غير مباشرة انتماء إلهام الشعراء (غير الصالحين) إلى عالم الشياطين، والثاني أنه جعل لكل إنسان شيطانًا يوحي إليه بالباطل والشر ﭽ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﭼ فنـزع عن الشعراء ما كانوا يظنون أنفسهم متميزين فيه حين قرن بكل إنسان شيطانه الخاص به"(33).
(للبحث صلة)
الهوامش:
* الجزائر.
(1) بنيلوبي مرّي، العبقرية تاريخ الفكرة، ترجمة: محمد عبد الواحد محمد، عالم المعرفة، الكويت، 1996م، ص17.
(2) المرجع نفسه ص14. (3) المرجع نفسه، ص17.
(4) جميل صليبا: المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني، 1979م، ص53.
(5) بنيلوبي: العبقرية، ص26. (6) المرجع نفسه، ص17. (7) المرجع نفسه، ص27.
(8) توفيق الزيدى: مفهوم الأدبية في التراث النقدي، سراس للنشر، تونس، 2002م، ص85.
(9) الجاحظ: الحيوان، تح. عبد السلام هارون، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط3، 1969م، ج6، ص225- 226.
(10) ينظر: أبو زيد القرشي، جمهرة أشعار العرب، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط2، ص 58 وما بعدها
(11) إحسان عباس: تاريخ النقد الأدبي عند العرب، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمّان، ط2، 1993م، ص21.
(12) ينظر: رسالة التوابع والزوابع، دار صادر، بيروت، 1980م، ص132.
(13) إ. عباس، تاريخ، ص17. (14) القرشي، جمهرة، ص 57-58.
(15) المرجع نفسه، ص68-69. (16) المرجع نفسه، ص69.
(17) المرجع نفسه، ص 39 وما بعدها. (18) الجاحظ: الحيوان، 6/226.
(19) القرشي: جمهرة، ص62. (20) الجاحظ،: الحيوان، ج6، ص226.
(21) المرجع نفسه، ص227. (22) المرجع نفسه، ص227.
(23) ديوان الفرزدق، دار بيروت للطباعة والنشر، ص215.
(24) ديوان جرير، دار بيروت للطباعة والنشر، 1978م، ص250. (25) الحيوان: 6/227.
(26) الأصبهاني: الأغاني، تحقيق لجنة من الأدباء، دار الثقافة، بيروت، ط6، 1983م، 10/160.
(27) الجاحظ: الحيوان، 6/229. (28) المرجع نفسه، ص228.
(29) القرشي: جمهرة، ص72-73. (30) ينظر: رسالة التوابع والزوابع، ص87/90.
(31) إ. عباس: تاريخ النقد، ص22.
(32) مفهوم الأدبية في التراث النقدي، ص60. (33) إ. عباس، تاريخ النقد، ص23.